عبد الشافى محمد عبد اللطيف
196
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
من منهجه أن يحمل الناس على اعتناق دينه بالقوة ؛ لما كان أسهل عليه من هذا الموقف بالذات ؛ لأن الجيش الفار من الميدان - وهو جيش هرقل - لن يصمد طويلا أمام جيش المسلمين ، بل إن هزيمته ستكون محققة . ولكن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم اعتبر انسحاب جيوش الروم من ميدان المعركة كافيا كدليل على ميلهم إلى السلام - وإن كان انسحابهم خوفا من الهزيمة - لذلك لم يلاحقهم ، ولم يرم إلى القضاء عليهم ؛ لأن هذا ليس هدفه . أليس هذا دليلا كافيا على أن أصل العلاقات الدولية في الإسلام هو السلام ؟ ! . وإليك دليلا آخر على أنه ليس من أهداف الإسلام إجبار الآخرين على اعتناقه بالقوة ؛ فبعد أن علم الرسول بانسحاب الروم إلى داخل الشام ، وقرر عدم ملاحقتهم ، عسكر في منطقة تبوك عدة أيام عقد خلالها عدة معاهدات ، مع عدد من أمراء المنطقة ، ورؤساء المجموعات الصغيرة فيها ، الذين لم يبدؤوا المسلمين بالعداء ، أمنهم هم وأتباعهم على عقائدهم وأرواحهم وأموالهم . وهاك نموذجا على ذلك وهو عهد الأمان الذي أعطاه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليحنّة بن رؤبة صاحب أيلة ، نصه كالآتي : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذه أمنة من اللّه ، ومحمد رسول اللّه ، ليحنة ابن رؤبة ، وأهل أيلة ، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر ، لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي ، ومن كان معهم من أهل الشام ، أهل اليمن ، وأهل البحر ؛ فمن أحدث منهم حدثا ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر » « 1 » قل لي بربك : هل الذي يصنع هذا الصنيع ، مع هذه المجموعات الصغيرة الضعيفة ، ويعطيها الأمان والحرية ، ويبسط عليها حمايته ؛ يقال عنه : إنه متعطش للدماء ؟ ! وهل كان صعبا على النبي وهو يقود هذا الجيش الضخم ، والذي خرج ليواجه به أكبر جيوش العالم وقتئذ - وهو جيش الروم - الذي انسحب من الميدان جبنا وهلعا ، هل كان صعبا عليه أن يجبر يحنّة وأهل أيلة وأمثالهم على اعتناق الإسلام ، لو كان ذلك هدفه ؟ ! وهل كان في مقدورهم أن يقاوموا أو يمتنعوا ؟ لكنها دعاوى الزور والبهتان من أعداء الإسلام الذين لا يبرحون أن يرددوا تلك التفاهات ، ويدعون أن الإسلام دين حرب انتشر بالسيف . فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يقاتل أهل أيلة ، ولم يهددهم أو يرهبهم ، بل أمنهم على
--> ( 1 ) انظر : ابن هشام - القسم الثاني ( ص 525 ) - ومحمد حميد اللّه - مجموعة الوثائق السياسية ( ص 89 ) ، ود . هيكل - حياة محمد ( ص 459 ) .